المسعودي
52
مروج الذهب ومعادن الجوهر
بالأحداث من أبناء الملوك ، وطالبهم بما تطالب به النسوان ، وأظهر الفسق باليمن واللواط ، وعدل مع ذلك في الرعية . وأنصف المظلوم ، وكان ملكه ثلاثين سنة ، وقيل : تسعاً وعشرين سنة ، وقتله يوسف ذو نواس ، وكان من أبناء الملوك ، خوفاً على نفسه ، وأنَفَة أن يفسق به . ثم ملك بعده يوسف ذو نواس بن زرعة بن تبع الأصغر بن حسان بن كليكرب ، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الموضع من كتبنا ( 1 ) ، وما كان من أمره مع أصحاب الأخدود ، وتحريقه إياهم بالنار ، وهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابه فقال : ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ) وإليه عبرت الحبشة من بلاد ناصع والزيلع ، وهو ساحل الحبشة على حسب ما ذكرنا ، إلى بلاد غلافقة من ساحل زبيد من ارض اليمن ، فغرق يوسف نفسه بعد حروب طويلة خوفاً من العار ، وكان ملكه مائتي سنة وستين سنة ، وقيل أقل من ذلك ، وذلك أن النجاشي ملك الحبشة لما بلغه فعل ذي نواس بأتباع المسيح عليه السلام ، وما يعذبهم به من أنواع العذاب والتحريق بالنار بعث إليه الحبَشَة وعليهم ارياط بن أصحمة ( 2 ) فملك اليمن عشرين سنة ، ثم وثب عليه أبرهة الأشرم أبو يكسوم ( 3 ) فقتله وملك اليمن ، فلما بلغ ذلك من فعله إلى النجاشي غضب عليه ، وحلف بالمسيح أن يجز ناصيته ، ويريق دمه ، ويطأ تربته - يعني أرض اليمن - فبلغ ذلك أبرهة فجز ناصيته وجعلها في حق من العاج ، وجعل من دمه في قارورة ، وجعل من تراب اليمن في جراب ، وأنفذ ذلك إلى النجاشي ملك الحبشة ، وضم إلى ذلك هدايا كثيرة وألطافا ، وكتب إليه يعترف بالعبودية ، ويحلف له بدين النصرانية أنه في طاعته ، وأنه بلغه أن الملك حلف بالمسيح أن يجز ناصيته ويريق دمه ويطأ
--> ( 1 ) وفي نسخة : من كتابنا . ( 2 ) وفي نسخة : فعبر بالحبشة اليه وعليهم أرياط بن أضخم . ( 3 ) وفي نسخة : أبرهة الأشرم بن يكسوم .